غانم قدوري الحمد
80
الدراسات الصوتية عند علماء التجويد
الدراسة في ميدان محدد ، وهو ما يتحقق في نص القرآن الكريم ، فلم ينشغلوا بتتبع وجوه النطق اللهجية وإثقال المتعلمين بها ، بل تركوا ذلك لجهود علماء العربية ، وركزوا جهودهم في ذلك الميدان المحدد ، مما سهل عملية التلقي ، وتحققت لعلماء التجويد درجة كبيرة في ضبط صورة النطق على نحو لا يفوقه إلا استخدام وسائل التسجيل الصوتي الحديثة ، التي يجب أن يستعان بها في خدمة ذلك الجهد المتواصل لعلماء التجويد في المحافظة على صورة النطق العربي الأصيل متمثلا بنطق ألفاظ القرآن الكريم . وحرصا من علماء التجويد على حصر ميدان جهودهم ميزوا موضوع القراءات عن موضوع التجويد ، كما أشرنا إلى ذلك من قبل . ثانيا : إن ارتباط علم التجويد بالقرآن الكريم قد جعل منه علما شعبيا ، بالتعبير المعاصر ، في المجتمع الإسلامي على اختلاف البلدان والأزمان ، يحرص المسلمون على اختلاف مستوياتهم الثقافية والمادية ، وعلى تباين ألسنتهم وأجناسهم ، على دراسته وتطبيق أحكامه ، لأن تلاوة القرآن من أفضل أنواع الذكر عند المسلمين ، ومن شروطها أن تكون مرتلة . وقد انعكست تلك الحالة على استمرار التأليف في هذا العلم من غير انقطاع ، في مختلف بلاد المسلمين . ثالثا : ارتباط علم التجويد بالقرآن الكريم قد أعطاه قوة معنوية تجعل المشتغلين به يقبلون على البحث فيه دون كلل ، ويصبرون على متاعب البحث والتعليم حتى يتحقق لدى المتعلم المستوى النطقي المطلوب ، ويحتسبون ذلك الجهد عند اللّه تعالى ، وقد أثمرت تلك الجهود التي حظي بها علم التجويد في ترسيخ النطق العربي الفصيح على مدى العصور التي أعقبت نزول القرآن الكريم ، حتى عصرنا الحاضر ، ولولا ذلك الارتباط بين اللغة العربية والقرآن ، وبالتحديد بين علم التجويد والقرآن لكان حال اللغة العربية اليوم على غير ما هي عليه ، وثبات العربية الفصحى المستمر ، خلاف كل اللغات الأخرى ، لم يتحقق إلا بفضل تلك العلاقة بين علم التجويد ، ممثلا لجوهر النطق العربي الأصيل وبين نص القرآن الكريم . وإن الواقع اليوم ليشهد أنه حيثما أهمل علم التجويد انتكس نطق العربية الفصحى ، ولو كان ذلك في قلب بلاد العرب ، وحيثما نال هذا العلم العناية الكافية درسا وتطبيقا صفا ذلك النطق وسما ، ولو كان ذلك في أطراف آسيا أو في قلب إفريقيا . إنها حقيقة كبيرة ، ومهمة في حياتنا اللغوية المعاصرة ولكننا نغفل عنها في كثير من الأحيان . * * * * *